الحلبي

221

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

وجاء أن المسلمين اختلفوا في ذلك اليوم ، فمن قائل منهم هذه غرة من عدوكم وغنم رزقتموه ، ولا ندري أمن الشهر الحرام هذا اليوم أم لا ؟ وقال قائل منهم : لا نعلم اليوم إلا من الشهر الحرام ، ولا نرى أن تستحلوه لطمع اشتملتم عليه ، ويذكر أنه صلى اللّه عليه وسلم عقل ابن الحضرمي أي أعطى ديته ، ويضعفه ما تقدم في غزوة بدر من أن أخاه طلب ثأره وكان ذلك سببا لإثارة الحرب وأن عتبة بن ربيعة أراد أن يتحمل ديته ويتحمل جميع ما أخذ من العير وأن تكف قريش عن القتال ، وحينئذ تسلم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم العير والأسيرين ، وطمع عبد اللّه وأصحابه في حصول الأجر ، وسألوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن ذلك ، فأنزل اللّه تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 218 ) [ البقرة : الآية 218 ] أي فقد أثبت لهم الجهاد في سبيل اللّه . ثم إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قسم ذلك العير وخمسه . أي جعل خمسه للّه وأربعة أخماسه للجيش . وقيل تركه حتى رجع من بدر وخمسه مع غنائم بدر ، وقيل إن عبد اللّه هو الذي خمسها ، أي فإنه رضي اللّه عنه ، قال لأصحابه : إن لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيما غنمنا الخمس فأخرج خمس ذلك لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أي عزلها له ، وقسم سائرها بين أصحابه رضي اللّه عنهم . وحينئذ يكون ما تقدم من قوله وأبى أن يتسلم العير ، الظاهر في أن العير لم تقسم ، المراد خمس تلك العير ، وهو أول غنيمة خمست في الإسلام : أي قبل فرضه ، ثم فرض على ما صنع عبد اللّه رضي اللّه عنه ، ويوافق ذلك قول ابن عبد البر في الاستيعاب . وعبد اللّه بن جحش أوّل من سنّ الخمس من الغنيمة للنبي صلى اللّه عليه وسلم من قبل أن يفرض اللّه الخمس ، وأنزل اللّه تعالى بعد ذلك آية الخمس : وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ [ الأنفال : الآية 41 ] الآية ، وإنما كان قبل ذلك المرباع ، هذا كلامه ، والمرباع : ربع الغنيمة ، وتقدم أن الفيء والغنيمة يطلق أحدهما على الآخر . وفي كلام فقهائنا أن الغنيمة كانت في صدر الإسلام له صلى اللّه عليه وسلم خاصة ، ثم نسخ ذلك بالتخميس . وبعثت قريش إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في فداء عثمان والحكم ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : لأنفديكموهما حتى يقدم صاحبانا يعني سعد بن أبي وقاص وعيينة بن غزوان ، فإنا نخشاكم عليهما ، فإن قتلتموها نقتل صاحبيكم ، فإن سعدا وعيينة رضي اللّه عنهما لم يحضرا الوقعة بسبب التماسهما بعيرهما وقد مكثا في طلبه أياما ثم قدما ، فأفدى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الأسيرين : أي كل واحد بأربعين أوقية . فأما الحكم فأسلم وحسن إسلامه وأقام عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى قتل يوم بئر معونة شهيدا .